مع اقتراب موعد العودة المدرسية للسنة الدراسية 2026-2027، المقررة يوم 15 سبتمبر، عاد إلى الواجهة في تونس نقاش واسع حول ترسيم أبناء المهاجرين المقيمين بصفة غير نظامية بالمؤسسات التربوية التونسية، وهو نقاش لم يعد مقتصراً على الأوساط القانونية أو المؤسساتية، وإنما امتد بصورة واسعة إلى الفضاء العام ووسائل التواصل الاجتماعي، وانقسمت بشأنه المواقف بين من يرى أن تمكين هؤلاء الأطفال من الدراسة يمثل تطبيقاً لحق أساسي كفله الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية، وبين من يرى أن الوضعية غير النظامية للوالدين يمكن أن تحول دون تمكين أبنائهم من الانتفاع بالمدرسة العمومية.
ولم يعد الجدل مقتصراً على أصل الحق في التعليم، بل امتد إلى شروط الترسيم والوثائق المطلوبة، ومدى إمكانية قبول ملفات الأطفال الذين لا تتوفر لدى أسرهم بعض الوثائق الإدارية، فضلاً عن التساؤلات المتعلقة بطاقة استيعاب المؤسسات التربوية، والاكتظاظ، ونقص الإطار التربوي، وصعوبات الاندماج اللغوي والتربوي، وما إذا كان تمكين أبناء المهاجرين غير النظاميين من الدراسة يمكن أن تكون له انعكاسات على سياسة الدولة في مجال الهجرة والإقامة.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة لأنها تأتي امتداداً للنقاش الذي سبق أن تناولته في مقالي «الجنسية التونسية بموجب الولادة بين النص القانوني والجدل المجتمعي حول أبناء المهاجرين غير النظاميين» المنشور بمجلة الأخبار القانونية في جويلية 2026، والذي أكدت فيه ضرورة التمييز بين واقعة الولادة وترسيمها بالحالة المدنية من جهة، واكتساب الجنسية التونسية من جهة أخرى، باعتبار أن تسجيل ولادة طفل أجنبي في تونس لا يجعله تونسياً، وأن الجنسية رابطة قانونية وسياسية لا تكتسب إلا بالشروط التي حددها القانون
أما اليوم، فإن المسألة المطروحة وإن كانت متصلة بذلك النقاش، فإنها تختلف عنه من حيث موضوعها، إذ يتعلق الأمر هذه المرة بحق الطفل في التعليم.
ومن هنا يطرح السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يسمح القانون التونسي بترسيم أبناء المهاجرين المقيمين بصفة غير نظامية بالمدارس التونسية؟
والجواب، في ضوء القراءة المتكاملة للمنظومة القانونية التونسية، هو نعم، وبصفة واضحة وجلية. فالدستور التونسي يكرس الحق في التعليم، والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس تؤكد هذا الحق وتربطه بتكافؤ الفرص وعدم التمييز، فيما جاء التشريع الداخلي ليضمن التعليم العمومي المجاني لكل من هم في سن الدراسة، دون أن يجعل الوضعية القانونية للوالدين شرطاً للانتفاع بهذا الحق.
وبعبارة أكثر دقة، فإن القانون التونسي لا يجعل الوضعية غير النظامية للأبوين سبباً بذاته لحرمان الطفل من التعليم، ولا يضع أبناء المهاجرين غير النظاميين خارج دائرة الحماية القانونية للحق في الدراسة. ولذلك فإن ترسيم هؤلاء الأطفال لا يمثل، من الناحية القانونية، امتيازاً استثنائياً يمنح لفئة أجنبية، وإنما يمثل تطبيقاً لقاعدة عامة تتعلق بالطفل ذاته وبحقه في التعليم.
ويقتضي إثبات هذه النتيجة العودة أولاً إلى أعلى قاعدة في الهرم القانوني، أي دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022.
فقد نص الفصل 44 من الدستور صراحة على أن «التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة»، وأن الدولة «تضمن الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله»، وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين.
وتكتسي هذه الصياغة الدستورية أهمية بالغة في موضوعنا، ذلك أن المشرع الدستوري لم يقل إن التعليم العمومي المجاني مضمون للأطفال التونسيين فقط، ولم يربط الحق في التعليم بجنسية الطفل أو بشرعية إقامة والديه، وإنما قرر الحق في صيغة عامة، وربطه أساساً بسن الطفل.
كما أن جعل التعليم إلزامياً إلى سن السادسة عشرة يكشف عن طبيعة هذا الحق؛ فهو ليس مجرد خدمة عمومية اختيارية يمكن أن تتوقف على اعتبارات إدارية أو وضعية قانونية تخص الوالدين، وإنما هو حق دستوري يقابله التزام على الدولة بضمانه.
ويتعزز هذا الأساس الدستوري بالفصل 52 من دستور الجمهورية التونسية، الذي أفرد للطفل حماية دستورية خاصة، فنص على أن «حقوق الطفل مضمونة»، وألزم الدولة، إلى جانب أبويه، بضمان كرامته وصحته ورعايته وتربيته وتعليمه، كما أوجب عليها توفير جميع أنواع الحماية لكل الأطفال دون تمييز ووفق مصالح الطفل الفضلى. وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في موضوع أبناء المهاجرين غير النظاميين، إذ إن الدستور لم يربط حماية الطفل أو حقه في التربية والتعليم بجنسية والديه أو بشرعية إقامتهما، بل اعتمد معياراً أوسع هو صفة الطفل ذاتها، مؤكداً أن الحماية الدستورية تشمل «كل الأطفال دون تمييز». ومن ثم، فإن الفصل 52 لا يكرس فقط الحق في التعليم، وإنما يضع على عاتق الدولة التزاماً إيجابياً بحماية هذا الحق، بما يعزز ما قرره الفصل 44 ويؤكد أن الوضعية القانونية للأبوين لا يمكن أن تتحول، في غياب نص صريح، إلى سبب لحرمان الطفل من حق دستوري مقرر له.
ويتعزز هذا الاستنتاج بالرجوع إلى الفصل 74 من الدستور نفسه، الذي يحدد مكانة المعاهدات المصادق عليها داخل الهرم القانوني، إذ ينص على أن المعاهدات المصادق عليها من رئيس الجمهورية والموافق عليها من مجلس نواب الشعب تكون «أعلى من القوانين ودون الدستور».
وتكتسي هذه القاعدة أهمية خاصة عند الانتقال إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، لأن تونس لم تكتف بإقرار الحق في التعليم على المستوى الدستوري، وإنما قبلت كذلك بالتزامات دولية في هذا المجال.
وفي مقدمة هذه الاتفاقيات تأتي اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1989، والتي صادقت عليها تونس بمقتضى القانون عدد 92 لسنة 1991 المؤرخ في 29 نوفمبر 1991.
وتكمن أهمية الاتفاقية بالنسبة إلى موضوعنا في أنها تنظر إلى الطفل باعتباره صاحب حق مستقل، وليس مجرد تابع للمركز القانوني لوالديه.
ويبرز ذلك بصفة خاصة من خلال الفصل الثاني من الاتفاقية، الذي يكرس مبدأ عدم التمييز في التمتع بالحقوق التي تقررها الاتفاقية، وهو ما يجعل التمييز ضد الطفل بسبب وضعية والديه القانونية مسألة لا يمكن افتراضها أو استنتاجها من مجرد كون الوالدين في وضعية إقامة غير نظامية، بل تحتاج إلى سند قانوني واضح ومحدد.
أما في مجال التعليم تحديداً، فقد جاء الفصل 28 من الاتفاقية ليقرر اعتراف الدول الأطراف بحق الطفل في التعليم، ويلزمها بإعمال هذا الحق تدريجياً وعلى أساس تكافؤ الفرص، مع التأكيد على جعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحاً ومجانياً للجميع، واتخاذ التدابير اللازمة لتشجيع الحضور المنتظم للأطفال في المدارس والحد من الانقطاع عن الدراسة.
ولا يقف الفصل 28 عند مجرد الدخول إلى المدرسة، بل يفرض على الدولة العمل على ضمان تكافؤ الفرص، وهو مبدأ ذو أهمية بالغة في الحالة التي نحن بصددها، لأن الوضعية القانونية لوالدي الطفل لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة غير مباشرة لإقصائه من ممارسة حق أساسي ما لم يوجد نص قانوني صريح يقرر ذلك.
ويأتي الفصل 29 من الاتفاقية ليحدد أهداف التربية والتعليم، فيجعل التعليم وسيلة لتنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، وتنمية احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، واحترام هوية الطفل الثقافية ولغته وقيمه، وإعداده لحياة مسؤولة في مجتمع حر تسوده قيم التفاهم والتسامح والسلام والمساواة.
وهنا تبرز وظيفة التعليم في مفهوم الاتفاقية باعتباره أداة للإدماج والحماية والتنمية، لا أداة لفرز الأطفال بحسب الوضعية القانونية لأسرهم.
ومن ثم، فإن قراءة الفصلين 28 و29 في ضوء المبدأ العام لعدم التمييز تقود إلى نتيجة واضحة: الطفل هو صاحب الحق في التعليم، وليس والده أو والدته، وبالتالي فإن المركز القانوني للأبوين لا ينتقل آلياً إلى الطفل في مجال ممارسة حقوقه الأساسية.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الاتفاقية تلغي حق الدولة في تنظيم الهجرة والإقامة أو تطبيق قوانينها على الأشخاص الموجودين فوق ترابها بصورة غير نظامية. فمسألة الهجرة والإقامة لها نظامها القانوني الخاص، لكن ذلك لا يسمح بخلطها بحق الطفل في التعليم، ولا بتحويل المخالفة المتعلقة بالإقامة إلى سبب تلقائي لإسقاط حق آخر لم يربط القانون بينه وبين شرعية الإقامة.
وهنا تحديداً ينبغي الانتقال إلى التشريع التونسي الداخلي الذي يجعل المسألة أكثر وضوحاً.
فقد جاء القانون التوجيهي عدد 80 لسنة 2002 المؤرخ في 23 جويلية 2002 المتعلق بالتربية والتعليم المدرسي ليترجم المبادئ الدستورية إلى قواعد تشريعية مباشرة، فنص على إجبارية التعليم من سن السادسة إلى سن السادسة عشرة واعتبر التعليم حقاً أساسياً.
غير أن النص الأكثر دلالة في موضوعنا هو الفصل الرابع من القانون ذاته، الذي يقرر أن الدولة تضمن حق التعليم مجاناً بالمؤسسات التربوية العمومية لكل من هم في سن الدراسة، وتوفر لجميع التلاميذ فرصاً متكافئة للتمتع بهذا الحق.
وهنا تكمن النقطة القانونية الجوهرية التي ينبغي أن تحسم جانباً كبيراً من الجدل القائم.
فالمشرع التونسي لم يقل إن الدولة تضمن التعليم العمومي المجاني «للتونسيين» فقط، ولم يقل إن هذا الحق مشروط بإقامة قانونية للوالدين، وإنما استعمل عبارة عامة هي «لكل من هم في سن الدراسة».
وهذه العبارة لها مدلولها القانوني. فالمشرع عندما أراد أن يحدد الفئة المستفيدة لم يعتمد معيار الجنسية ولا معيار إقامة الوالدين، وإنما اعتمد معياراً يتعلق بالتلميذ نفسه، وهو وجوده ضمن الفئة العمرية التي يشملها التعليم الإجباري أو المدرسي.
وبالتالي، فإن ابن المهاجر المقيم بصفة غير نظامية، متى كان في سن الدراسة، يدخل من حيث الأصل ضمن الفئة التي خاطبها المشرع، ولا يحتاج إلى نص استثنائي خاص ينشئ له حقاً جديداً في التعليم.
فحقه في هذه الحالة لا يستمد من قرار استثنائي أو من تساهل إداري، وإنما من القاعدة العامة التي قررها المشرع لفائدة كل من هو في سن الدراسة.
وهنا يتعين الوقوف عند مسألة ذات أهمية كبيرة في النقاش الحالي، وهي مسألة الوثائق المطلوبة للترسيم.
فلا خلاف في أن الإدارة تحتاج إلى بيانات ووثائق تمكنها من التثبت من هوية الطفل وسنه ومستواه الدراسي، وتساعدها على تنظيم الملف المدرسي وإدارة المرفق العمومي بصورة سليمة. كما لا خلاف في أن الترسيم يخضع لإجراءات إدارية وتنظيمية ينبغي احترامها.
لكن يجب التمييز بوضوح بين الحق في التعليم وبين الوسائل الإدارية اللازمة لتنظيم ممارسة هذا الحق.
فالوثيقة الإدارية لا تنشئ الحق في التعليم، وإنما تساعد على إثبات بعض المعطيات اللازمة لممارسته.
ومن ثم، فإن عدم توفر وثيقة معينة لدى الأسرة لا يعني بالضرورة أن الطفل فقد حقه في التعليم، وإنما يطرح سؤالاً آخر يتعلق بكيفية معالجة الوضعية إدارياً وقانونياً.
وهذا التفريق مهم جداً في حالة أبناء المهاجرين غير النظاميين، بالنظر إلى أن بعض الأسر قد تواجه صعوبات في توفير جوازات السفر أو الوثائق المتعلقة بالإقامة أو بعض الوثائق المدنية، أو قد تجد صعوبة في التعامل مع المنظومات الرقمية التي تعتمدها الإدارة في عمليات الترسيم.
ولا يجوز، في المقابل، أن تتحول المتطلبات الإدارية إلى وسيلة لإنشاء مانع موضوعي من ممارسة الحق لم ينص عليه القانون.
فإذا كان المطلوب من وثيقة معينة هو التثبت من هوية الطفل أو سنه، فإن السؤال يصبح: هل توجد وسيلة قانونية أخرى تمكن الإدارة من تحقيق الغرض نفسه في الحالات التي يتعذر فيها توفير الوثيقة؟
أما الانتقال مباشرة من عدم توفر الوثيقة إلى حرمان الطفل من الدراسة، فإنه يحتاج إلى سند قانوني واضح، ولا يمكن افتراضه بمجرد اعتماد إجراء إداري معين.
وهنا يظهر الفرق بين تنظيم الحق وإهدار الحق.
فالإدارة مطالبة بتنظيم الترسيم، لكن تنظيم الترسيم لا يعني وضع شروط جديدة تتجاوز النص القانوني.
والأمر ذاته ينطبق على الوضعية غير النظامية للوالدين. فالمهاجر الموجود في تونس بصورة غير قانونية يخضع للقواعد المتعلقة بالدخول والإقامة، ويمكن للدولة أن تطبق عليه ما يقرره القانون من إجراءات وآثار. لكن لا يجوز الخلط بين المركز القانوني للوالد والمركز القانوني للطفل في مجال التعليم.
فالطفل لم يكن طرفاً في قرار والديه المتعلق بالدخول إلى البلاد أو الإقامة فيها، ولا يمكن تحميله بصورة آلية آثاراً لم يرتبها القانون عليه.
ومن هنا فإن القول بأن «والدي الطفل غير نظاميين، وبالتالي فالطفل غير مؤهل للترسيم» يمثل انتقالاً من مركز قانوني إلى آخر دون وجود نص يبرر هذا الانتقال.
وهذا ما يجعل الفصل بين المجالات القانونية أمراً ضرورياً.
فالجنسية لها شروطها، والإقامة لها شروطها، والتعليم له شروطه.
وكما سبق أن أكدت في المقال المنشور بمجلة الأخبار القانونية في جويلية 2026، فإن ترسيم الولادة لا يعني اكتساب الجنسية؛ فالطفل الأجنبي الذي تسجل ولادته في تونس لا يصبح بذلك تونسياً.
وبالمثل، فإن الترسيم المدرسي لا يعني تسوية وضعية الإقامة؛ فتمكين الطفل الأجنبي من الدراسة لا يمنح والديه حق الإقامة، ولا يحول إقامتهما غير النظامية إلى إقامة قانونية، ولا ينشئ للطفل جنسية تونسية.
إنها مراكز قانونية مختلفة، لكل واحد منها شروطه وآثاره.
ومن هنا أيضاً فإن القول بأن ترسيم أبناء المهاجرين غير النظاميين يمثل «توطيناً» أو «تسوية لوضعية المهاجرين» يخلط بين حق الطفل في التعليم وبين السياسة العامة للدولة في مجال الهجرة.
يمكن للدولة أن تضع سياسة صارمة للهجرة، وأن تطبق قوانين الإقامة، وأن تتخذ الإجراءات القانونية في مواجهة المخالفين، وفي الوقت نفسه تضمن للطفل حقه في التعليم.
ولا يوجد في ذلك تناقض قانوني، لأن كل إجراء ينتمي إلى مجال قانوني مختلف.
أما على المستوى العملي، فإن المسألة لا تخلو من صعوبات حقيقية.
فالمؤسسات التربوية تعاني في بعض المناطق من الاكتظاظ، كما تواجه صعوبات في الموارد البشرية والبنية التحتية، ويمكن أن يؤدي استقبال أعداد إضافية من التلاميذ إلى زيادة الضغط على بعض المؤسسات.
كما أن بعض الأطفال القادمين من منظومات تعليمية مختلفة قد يواجهون صعوبات في اللغة وفي التكيف مع البرامج التعليمية التونسية، خاصة إذا كانت مسيرتهم الدراسية قد تعرضت للانقطاع خلال فترة الهجرة أو التنقل.
وهذه الصعوبات لا ينبغي تجاهلها، لكنها في الوقت ذاته لا تغير من طبيعة الحق.
فالمشكلة في هذه الحالة تصبح مشكلة قدرة المرفق العمومي على الاستيعاب وكيفية تنظيم الإدماج المدرسي، وليس مشكلة وجود الحق في التعليم من عدمه.
وبعبارة أخرى، إذا كانت الدولة تواجه صعوبات في استيعاب أعداد إضافية من التلاميذ، فإن الحل القانوني والإداري يكمن في تنظيم التوزيع المدرسي، ودعم المؤسسات المعنية، وتوفير الإطار التربوي والوسائل اللازمة، ووضع آليات خاصة لمعالجة الحالات التي تحتاج إلى دعم لغوي أو تربوي، لا في إسقاط حق دستوري عن فئة من الأطفال.
ومن جهة أخرى، فإن الجدل المجتمعي الراهن، وخاصة ما يثار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ينبغي أن يفصل بين النقاش السياسي والمجتمعي حول الهجرة غير النظامية وبين السؤال القانوني المتعلق بحق الطفل في التعليم.
من المشروع أن يناقش المجتمع التونسي سياسة الهجرة، وأن يتساءل عن قدرة الدولة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المهاجرين، وأن يناقش موارد المدرسة العمومية وطاقة المؤسسات التربوية، بل ومن المشروع أيضاً أن يطالب بتوضيح السياسة الرسمية للدولة في هذا المجال.
لكن هذه الاعتبارات لا يمكن أن تغير مضمون النص القانوني القائم.
فإذا أراد المشرع مستقبلاً وضع قواعد مختلفة بالنسبة إلى بعض الفئات، فإن ذلك يقتضي نصاً تشريعياً واضحاً، ولا يمكن استحداث الاستثناء عن طريق التأويل الإداري أو النقاش الإعلامي.
وفي المقابل، فإن الاتجاه الذي يعتبر أن مجرد تمكين الطفل من التعليم يمثل «توطيناً» أو «تسوية للهجرة غير النظامية» لا يجد، في حد ذاته، أساساً في طبيعة الحق في التعليم.
فالمدرسة لا تمنح الإقامة، وشهادة التمدرس لا تمنح الجنسية، وترسيم الطفل لا يسوي المركز القانوني لوالديه.
ومن ثم فإن العبارة القانونية الأدق ليست أن الدولة «تتغاضى» عن وضعية المهاجرين عندما تسمح لأبنائهم بالدراسة، وإنما أنها تطبق حقاً قانونياً مستقلاً للطفل، مع بقاء القواعد المتعلقة بالإقامة والهجرة قائمة ومستقلة عن ذلك.
وفي هذا السياق، فإن العودة المدرسية للسنة الدراسية 2026-2027 تفرض أهمية خاصة على توحيد الممارسة الإدارية وتوضيح الإجراءات المتعلقة بترسيم الأطفال الأجانب، حتى لا تتحول الاختلافات في تفسير الوثائق أو الإجراءات بين مؤسسة وأخرى إلى تفاوت في ممارسة حق أساسي.
وفي تقديري، فإن أفضل معالجة قانونية وإدارية للموضوع تقتضي أن تكون هناك تعليمات واضحة وموحدة للمؤسسات التربوية والإدارات الجهوية، تحدد بدقة الوثائق المطلوبة، وكيفية معالجة الحالات التي يتعذر فيها توفير بعض الوثائق، والجهة المختصة بالبت فيها، بما يمنع تضارب الممارسات ويحافظ في الوقت نفسه على مقتضيات التثبت الإداري وحسن سير المرفق العمومي.
فلا ينبغي أن يكون مصير الطفل رهيناً باختلاف تفسير مدير مؤسسة عن تفسير مدير مؤسسة أخرى، ولا أن يتحول الجدل المجتمعي إلى مصدر لقواعد جديدة غير مكتوبة.
والأصل أن الإدارة تعمل في إطار القانون، وأن القيود الواردة على ممارسة الحقوق لا تفترض، بل يجب أن تستند إلى نص.
وعند جمع أحكام الدستور والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والقانون التوجيهي عدد 80 لسنة 2002، يتضح أن المنظومة القانونية التونسية اختارت حماية حق الطفل في التعليم، ولم تجعل جنسية الطفل أو الوضعية القانونية لوالديه معياراً لاستبعاده من هذا الحق.
والأهم من ذلك أن النصوص لا تكتفي بعدم المنع، بل تتضمن إيجاباً قانونياً بضمان التعليم. فالفصل 44 من الدستور يفرض على الدولة ضمان الحق في التعليم العمومي المجاني، والفصل الرابع من القانون التوجيهي يضمنه «لكل من هم في سن الدراسة»، واتفاقية حقوق الطفل تلزم الدولة بإعمال الحق في التعليم على أساس تكافؤ الفرص.
وعليه، فإن السؤال القانوني الذي ينبغي أن يحسم جانباً كبيراً من الجدل ليس: «أين النص الذي يسمح بترسيم أبناء المهاجرين غير النظاميين؟»، لأن هؤلاء الأطفال لا يحتاجون إلى نص استثنائي يخلق لهم حقاً خاصاً في التعليم.
بل إن السؤال الأدق هو: «أين النص الذي يستثني أبناء المهاجرين غير النظاميين من الحق في التعليم بسبب الوضعية غير القانونية لوالديهم؟»
ومن ثم، فإن من يريد القول بحرمان هؤلاء الأطفال من الدراسة بسبب الوضعية غير النظامية لوالديهم يكون مطالباً بتحديد السند القانوني الصريح الذي يقرر هذا الحرمان، ولا يكفي في ذلك الاستناد إلى اعتبارات تتعلق بالهجرة أو الاكتظاظ أو صعوبة الوثائق.
فالحق في التعليم لا يسقط بالجدل المجتمعي، ولا يتغير بتغير المواقف على وسائل التواصل الاجتماعي.
وإذا كانت هناك صعوبات في الترسيم، فهي تستوجب حلولاً إدارية وقانونية واضحة، لا إنكار أصل الحق.
وفي النهاية، فإن: الوضعية غير النظامية للوالدين لا تحول، في حد ذاتها، دون تمتع الطفل بحقه في التعليم، وترسيم الطفل بالمدرسة لا يعني تسوية وضعية والديه.
وهذه النتيجة ليست خروجاً عن سياسة الدولة في مجال الهجرة، ولا تشكل اعترافاً بشرعية إقامة من لا تتوفر فيه شروط الإقامة، وإنما هي تطبيق مباشر لمنظومة قانونية وضعت الطفل في مركز الحماية.
فكما أن تسجيل ولادة الطفل لا يجعله تونسياً، فإن ترسيمه في مدرسة تونسية لا يجعل والديه مقيمين بصورة قانونية؛ وكما أن الجنسية لا تستخلص من مجرد الولادة، فإن الإقامة لا تستخلص من مجرد التمدرس.إنها دوائر قانونية مستقلة يجب عدم الخلط بينها.
وعليه، فإن المنظومة التونسية، ابتداءً من الدستور، مروراً بالمعاهدات الدولية المصادق عليها، ووصولاً إلى القانون الداخلي، تكفل بصفة واضحة وجلية حق الطفل في التعليم، ولا تجعل الوضعية غير النظامية لوالديه مانعاً بذاته من ترسيمه بالمدارس التونسية.
أما ما تبقى من إشكالات، من وثائق وإجراءات ورقمنة واكتظاظ وطاقة استيعابية وصعوبات لغوية وتربوية، فهي مسائل تنفيذية وتنظيمية حقيقية ينبغي للدولة أن تعالجها بقرارات واضحة وموحدة، لكن دون أن تتحول إلى استثناء غير منصوص عليه من حق أساسي كفله الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية.
وفي المحصلة، فإن النقاش الحقيقي الذي تفرضه العودة المدرسية القادمة ليس حول ما إذا كان الطفل يستحق التعليم، فقد حسم القانون هذا الجانب، وإنما حول كيف تنظيم هذا الحق بصورة تضمن في آن واحد احترام القانون، وحسن سير المرفق العمومي، وحماية الطفل، واستقلال ملف التعليم عن ملف الهجرة والإقامة.
وفي هذا تحديداً تكمن الإجابة القانونية عن السؤال الذي عاد إلى الواجهة مع اقتراب العودة المدرسية: نعم، القانون التونسي يسمح بترسيم أبناء المهاجرين غير النظاميين بالمدارس التونسية، بل إن المنظومة القانونية الدستورية والدولية والتشريعية تحمي أصل حقهم في التعليم، دون أن يترتب عن ذلك أي تسوية لوضعية الإقامة أو أي أثر على قواعد اكتساب الجنسية.
À la une Conseil
مقال قانوني
ترسيم أبناء المهاجرين غير النظاميين بالمدارس التونسية: حق الطفل وسلطة الدولة في تنظيم الهجرة: ماذا يقول القانون
ترسيم أبناء المهاجرين غير النظاميين بالمدارس التونسية: حق الطفل وسلطة الدولة في تنظيم الهجرة: ماذا يقول القانون
بقلم القاضي حمادي الجويني